كيف يمكن بناء مستقبل أكثر استدامة في الشرق الأوسط؟
نيل كولكوهون، رئيس إبسون لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا ووسط وغرب آسيا
تتزايد النفايات الإلكترونية في العالم بوتيرة أسرع من قدرة الدول على إعادة تدويرها، وفقاً للأمم المتحدة. ويعكس ذلك التحدي المتزايد في تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي السريع ومحدودية الموارد الطبيعية.
ومع تزايد آثار التغير المناخي وشح الموارد وارتفاع توقعات المستهلكين، لم يعد بالإمكان اعتبار حماية البيئة أمراً ثانوياً، بل يجب أن تكون الاستدامة جزءاً أساسياً من تصميم التقنيات الجديدة وتطويرها واستخدامها على نطاق واسع.
وتؤكد الأبحاث أن الاستثمار في الاستدامة لا يخدم البيئة فحسب، بل يمكن أن يحقق فوائد تجارية أيضاً، فقد أظهر الاستطلاع العالمي السنوي الثامن والعشرون للرؤساء التنفيذيين، الذي أجرته شركة PwC، أن الاستثمارات المرتبطة بالاستدامة كانت أكثر احتمالاً بست مرات لزيادة الإيرادات بدلاً من خفضها، كما أفاد ثلث الرؤساء التنفيذيين بتحقيق نمو مباشر في الإيرادات بفضل مبادرات الاستدامة.
وهذا يعني أن الشركات التي تستثمر في الاستدامة يمكنها تعزيز قدرتها التنافسية وكسب ثقة المستهلكين والمستثمرين، بينما قد تواجه الشركات التي تتأخر في هذا المجال صعوبات في مواكبة المتطلبات التنظيمية وتوقعات السوق.
لماذا يجب أن يساعد الابتكار في حماية البيئة؟
تركز الابتكارات عادة على تحسين الأداء وزيادة السرعة والإنتاجية، ورغم الفوائد الكبيرة التي حققتها هذه التطورات، فإنها ساهمت أيضاً في زيادة الأثر السلبي على البيئة.
ووفقاً لتقرير "مراقب النفايات الإلكترونية العالمي 2024" الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، تتزايد النفايات الإلكترونية العالمية بمعدل يفوق بخمس مرات وتيرة إعادة تدويرها، وقد بلغ حجم هذه النفايات 62 مليون طن في عام 2022، ولم يُجمع ويُعاد تدوير سوى 22.3% منها بطرق رسمية موثقة.
وتوضح هذه الأرقام أن العالم ينتج نفايات إلكترونية أكثر مما يستطيع التعامل معه بشكل مسؤول، ما يجعل الحاجة إلى حلول جديدة أكثر إلحاحاً.
لذلك، يجب أن تصبح الاستدامة جزءاً أساسياً من عملية الابتكار، بدلاً من النظر إليها باعتبارها عائقاً أمام التطور، فعندما تؤخذ مسألة الحفاظ على البيئة في الاعتبار منذ بداية تصميم المنتجات، يمكن تطوير تقنيات أكثر كفاءة واستدامة، وتحقيق نمو طويل الأمد مع تقليل استهلاك الموارد.
تطوير التكنولوجيا من أجل مستقبل مستدام
في إبسون، يستند هذا التوجه إلى فلسفة شو شو سي (Sho-Sho-Sei)، التي تركز على تصميم منتجات صغيرة الحجم ودقيقة وعالية الكفاءة. وتهدف هذه الفلسفة إلى تقليل استخدام المواد، وخفض استهلاك الطاقة، وإطالة عمر المنتجات.
ومن الأمثلة على ذلك تقنية إبسون للطباعة الخالية من الحرارة، التي توفر ما يصل إلى 96% من استهلاك الطاقة مقارنةً بطابعات الليزر التقليدية.
ويساعد ذلك الشركات على خفض استهلاك الكهرباء والتكاليف التشغيلية، وتزداد أهمية هذه الميزة في الأسواق التي ترتفع فيها تكاليف الطاقة أو تواجه تحديات في استقرار الإمدادات.
ومن الأمثلة الأخرى طابعات EcoTank التي تستخدم زجاجات حبر قابلة لإعادة التعبئة بدلاً من عبوات الحبر التقليدية، وتعادل مجموعة واحدة من زجاجات حبر EcoTank ما يصل إلى 79 عبوة حبر تقليدية، ما يقلل الحاجة إلى استبدال عبوات الحبر باستمرار، ويساعد على الحد من النفايات البلاستيكية وخفض تكلفة الطباعة لكل صفحة، سواء لاستخدامات الشركات أو الاستخدامات العائلية.
لكن تقليل الأثر البيئي لا يقتصر على تصميم المنتجات وحدها، بل يشمل جميع مراحل دورة حياتها، بدءاً من اختيار المواد الخام والتصنيع بكفاءة، ومروراً بضمان متانتها وإمكانية إصلاحها، وصولاً إلى التعامل معها بطريقة مسؤولة عند انتهاء عمرها الافتراضي.
ومن المهم أيضاً تصميم الحلول بما يتناسب مع احتياجات كل سوق، خاصةً في ظل شح الموارد الطبيعية، وتفاوت تكاليف الطاقة، وتطور التشريعات البيئية، والاهتمام المتزايد بالاقتصاد الدائري في المنطقة.
التعاون والعمل من أجل الاستدامة
يتطلب تحقيق مستقبل أكثر استدامة تعاون الحكومات والشركات والمستهلكين، إذ يمكن لكل طرف أن يسهم في تسريع التحول نحو ابتكارات أكثر مسؤولية، حيث يمكن للحكومات دعم هذا التوجه من خلال سياسات وحوافز تشجع البحث والتطوير المستدامين، ومن خلال تحسين كفاءة الطاقة وتعزيز إعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
أما الشركات، فعليها عدم الاكتفاء بالالتزام بالمتطلبات القانونية، ووضع أهداف بيئية واضحة يمكن قياسها، كما ينبغي لها تطوير سلاسل التوريد لتقليل استهلاك الموارد، وتصميم منتجات تدوم لفترة أطول وقابلة للإصلاح وإعادة التدوير.
وللمستهلكين دور مهم أيضاً، فاختيار المنتجات التي تستهلك موارد أقل وتدوم لفترة أطول يشجع الشركات على تقديم حلول أكثر استدامة، ويسهم في تغيير معايير الصناعة مستقبلاً.
التقنيات الناشئة والبحث والتطوير
تؤكد رؤية إبسون طويلة الأمد (Engineered Future 2035) التزام الشركة بالابتكار الذي يجمع بين الكفاءة وصغر الحجم والدقة، بهدف تحقيق قيمة أكبر للمجتمع والأعمال، وتأخذ هذه الرؤية في الاعتبار التحديات المستقبلية، مثل محدودية الطاقة والموارد، ونقص الأيدي العاملة، والتغير التكنولوجي السريع، كما تركز على استخدام الهندسة لتطوير حلول عملية تلبي احتياجات الحياة والعمل.
كما يمكن للتقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أن تساعد في جعل العمليات أكثر استدامة، إذ يمكن استخدامه لتحسين سلاسل التوريد، وإطالة عمر المنتجات، وتقليل الهدر من خلال التخطيط الأفضل لاستخدام الموارد، وهذا يدعم حماية البيئة ويحسن كفاءة الأعمال في الوقت نفسه.
وفي إبسون، تمثل الاستدامة جزءاً أساسياً من أنشطة البحث والتطوير. ومن الأمثلة على ذلك تقنية الطباعة مايكرو بيزو (Micro Piezo) التي ترتكز عليها حلول الطباعة الخالية من الحرارة، وتعكس هذه التقنية توجه الشركة نحو تطوير تقنيات تجمع بين الكفاءة والمسؤولية البيئية.
ويتوافق هذا التوجه مع رؤية إبسون التي تهدف إلى الاستفادة من تقنيات إبسون وخبراتها لتقديم حلول مفيدة لقطاعات الصناعة والتعليم والعمل والحياة العصرية، بما يدعم تقدم الإنسان ويحافظ على البيئة.
ومع تزايد اهتمام الحكومات والشركات حول العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، بكفاءة استخدام الموارد وإعادة التدوير والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، سيزداد دور الابتكار في تحقيق مستقبل أكثر استدامة.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح الابتكار بالتقدم التكنولوجي وحده، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين التطور وحماية الموارد الطبيعية، وتقديم فوائد طويلة الأمد للإنسان والشركات والكوكب على حدّ سواء.
